
مع اقتراب عام 2025 من نهايته، يقف الغرب عند مفترق طرق لم يشهده منذ عقود، وسط تصاعد التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية، التي وضعت أوروبا والعالم أمام اختبار حقيقي لقدرتهم على الصمود والتكيف مع واقع جديد يتسم بالتهديدات المتزايدة والتقلبات الاستراتيجية.
تواجه أوروبا حالة من الانقسام الداخلي بين المخاوف من التصعيد الروسي والمراهنة على تحالفات غير مستقرة، في وقت تعاني فيه القارة من مشكلات اقتصادية وسياسية معقدة تُضعف قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة. هذا الواقع يعكس هشاشة الغرب التي كشفت عنها أحداث عام 2025، ويثير التساؤل حول ما إذا كان من الممكن مواجهة عام 2026 بوعي واستراتيجية فعالة، أم أن العام الجديد سيكشف نقاط ضعف أكبر قد تعيد رسم موازين القوى الدولية.
وقالت صحيفة «التلغراف» البريطانية إن التهديدات الهجينة والصراعات الإقليمية لم تعد مقتصرة على أوكرانيا، بل امتدت إلى أمن القارة واستقرار النظام العالمي، مع ظهور ديناميكيات جديدة على الساحة الدولية. وفي ظل هذا السياق، كشفت أحداث العام عن هشاشة الاتحاد الأوروبي، إذ لم تستطع القمم الأوروبية مواجهة الأزمة بالقرارات الحاسمة، بينما ظل الخطاب السياسي بعيدًا عن الواقع الميداني، تاركًا القارة في حالة من الانقسام وعدم اليقين.
وبحسب الصحيفة، فإن بعض الدول الأوروبية انحازت علنًا لموسكو، فيما اختار آخرون التردد، ما أدى إلى غياب الحسم وتكريس الانكشاف الأوروبي. ولم يكن اجتماع الاتحاد الأوروبي الأخير بعيدًا عن هذه الصورة؛ فقد فشل في اتخاذ قرار بتحرير الأصول الروسية المجمدة، وأُجبر دافعو الضرائب الأوروبيون على تمويل قرض بقيمة 90 مليار دولار لأوكرانيا، بدلًا من استغلال الفرصة لإلحاق ضرر فعلي بموسكو.
وأوضحت «التلغراف» أن أوروبا بما فيها بريطانيا لم تضع استراتيجية مستقلة أو جادة لأمنها القومي، ولم تشهد إعادة تسليح سريعة، أو تشديد موقفها تجاه الحرب في أوكرانيا، ولم تُحدد خطوطًا حمراء لردع أسوأ السيناريوهات، ليبقى مصير أوروبا وأوكرانيا مرتبطًا بحسن نية الحلفاء، خصوصًا الولايات المتحدة، وهو ما كشف عن هشاشة التوازن الغربي.
مع تزايد التحديات، شهدت أوروبا تصاعد الهجمات الهجينة، بما في ذلك اختراق طائرة مسيرة للمجال الجوي البولندي، ما اضطر الناتو إلى أول مواجهة مباشرة مع روسيا في تاريخ الحلف. وفي الوقت نفسه، شعرت واشنطن بالضعف الأوروبي، وأظهرت رغبة في التقارب مع موسكو، ما زاد من قلق العواصم الغربية حول مدى موثوقية التحالف الأمريكي.
وفي تحليل الوضع، قالت الصحيفة إن الرئيس الروسي بوتين لا يعتزم إنهاء الحرب إلا عند تحقيق مطالبه، التي قد تؤثر على سيادة أوكرانيا وأمن أوروبا بشكل دائم. وعلى الرغم من الضغوط الاقتصادية، نجحت روسيا في إعادة توازن صناعي وعسكري، وزيادة ميزانيتها الدفاعية، ما يعكس استعدادها للاستمرار في الصراع على المدى الطويل.
وأشارت «التلغراف» أيضًا إلى التحذيرات الاستخباراتية الصادرة عن رؤساء أجهزة الأمن الأوروبية، والتي أكدت أن موسكو لا تخطط لتخفيف التصعيد، بل تختبر التزامات الناتو في دول البلطيق، وتراهن على تردد أوروبا، مع غياب ضمانات موثوقية أمريكية، وهو ما يضع أوروبا أمام أزمة استراتيجية لم يسبق لها مثيل.
في ظل هذا الواقع، بدا أن عام 2025 سيتذكره الأوروبيون على أنه العام الذي توقف فيه الغرب عن العمل كوحدة سياسية قوية، وحل الحديث عن «مناطق النفوذ» محل المفهوم التقليدي لمجتمع ديمقراطي قائم على القوة والقيم المشتركة، ما يعكس تحولات جذرية في النظام العالمي قد يمتد تأثيرها إلى 2026 وما بعدها.






